الخيبة مستمرة

على الرغم من استقلال السودان قبل جنوب افريقيا بأكثر من خمسين عاماً الا انه لا يمكن المقارنة مابين الحضارة التي شهدتها جنوب افريقيا و حضارة السودان وعلى الرغم من ان كليهما ابناء استعمار بريطاني و ذلك رداً على المعرفة الاستعمارية الارثية و التي لا
آثار مروي
يمكن ان ننكر جذورها و اثارها المستمرة الى الان في السودان إلا ان جنوب افريقيا و رغما عن تنوعها الثقافي الزاخم استطاعت ان تواجه مشاكلها بعزيمة و ذلك يضحد ايضا نظرية ان التنوع القبلي و الطائفي هو السبب الرئيسي للصراعات و الحروب.
و لعل مؤتمر الخريجين اثار العديد من التساؤلات عن التاريخ السياسي الديني ما بعد الاستعمار و دور المثقفين/ات على الساحة السياسية و الاجتماعية، و اعادة الى الذاكرة احداث تاريخية حاولت ان تصنع التغيير للشعب السوداني الذي اصابه اليأس من السياسيين و المثقفين على حد سواء، و اصبح يتساءل هل صناعة التغيير في السودان يحتاج الى عصا موسى؟ وبمثل هذا السؤال البسيط نقمح الدين وسط التغيير!!
لقد ظل السودان يعاني من خيبات مستمرة على جميع الاصعدة سواء المشهد السياسي او التعليمي، الانتاجي و الحضاري و قد لا نتوقف كما اعتاد البعض على الاحزاب السياسية و المواطن السوداني الذي لا يريد التغيير وهو ما يقزم الموضوع و يجنبه الى مسار مختلف بقدر ما يجب ان نتعمق في واقع حالنا و مسببات الوضع الأليم و غاية القصد ايجاد حلول ولو جزئية يمكن ان تخرج العقلية السودانية من مأزقها الذي يمثل اسوء حقبة تاريخية في مشواره الممتد.

الجـــدل و الغوغــــائية:

مازلت لا اعلم السبب الرئيسي حول غياب قيمة الزمن من حياة المواطن السوداني و إحلال الهدر الجدلي حول امور يمكن ان تكون من الثوابت يصعب تفهمه و لربما يرجع ذلك الى مساهمات الحكم الثنائي فنجد ذلك يتجلى بصورة واضحة في المعرفة الاستعمارية الثنائية حيث القضاء الشرعي والقضاء المدني، التعليم المدني والتعليم الديني، السوق العربي والسوق الأفرنجي.
و مما لا شك فيه ان السياسين و المثقفين ساهموا بدور كبير في إرساء قواعد الجدل و تعليم ابجدياته و منع العمل و بالتالي كما اصبح عليه واقع الحال طرفة للمجتمعات يضرب بها المثل في الكسل، فلا تندهش من الكلام عن التغيير و الرغبة في التغيير و نحن ووقوف في اماكنا لا نزحزح ساكن بل ذلك افضل ما يمكن للامكان ان نجيده الحديث و فقط .
تاريخ الموسيقى 
وبناء على هذه الاثار يمكن ايضا ضحد فرضية انعزال المثقفين و السياسين عن المجتمع والذي يوضح إن التكوين المعرفي والفكري إذا لم ينسجم وبعمق مع الإرث الحضاري، فإنه لا يحقق الوعي بالذاتية، بل يدهور صحة العقول والوعي والفهوم ويؤدي إلى التغييب والتضليل، ويقود إلى الصراع ويُؤخر من فرص بناء الأمة، الشاهد إنه في ظل التعليم المنفصل عن الإرث الحضاري يكون من العسير البناء الجماعي للوطن، ويكون من العسير كذلك البناء الجماعي للمستقبل، ويكون من العسير أيضاً صناعة قيادات راشدة للشعوب، أو تحقيق حالة من التجاوب والتفاعل بين المتعلمين والجماهير، وتبقى المبادرات الإبداعية جهود فردية عبر التعلُم الذاتي، مصيرها دوماً الرفض والحرب من قبل المجتمع.
لذلك نجد ان الوظائف الهامشية تحتل مساحة كبيرة من مفهوم و عقلية الشباب و تتميز بإنها غير منتجة ولا تنمي مهارات الفرد بل تضيع وقته للدخول في دوامة مفرغة من حالة الاجهاد و عدم استقرار الدخل المادي كالتسويق الشبكي مثلاً، بالاضافة الى عدم وجود استمرارية للمشاريع فغالبا ما تتوقف بعد وقت قصير من صرف مبالغ طائلة و توظيف اكبر عدد بدون دراسة فعليه – إذا ما وضعنا حسن النية-  كـ مركز عفراء مثلاً، و التصفيات المستمرة للإرث الحضاري (مشروع الجزيرة، النقل النهري، هيئة السكك الحديد…إلخ) وتخريب الموروثات الثقافية، والتشويه لتاريخ السودان وإنسانه، ولا شك ان المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر من هذا الفشل المستمر الذي تم اسقاطه من حساب السياسيين و المثقفين على حد سواء.

مفهوم الثقافة و الإرث الحضاري

الثقافة - الحضارة - الدين
الثقافة مفهوم ذاتي متجدد واذا ما استرجعنا اصل الثقافة في اللغة العربية فهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، ويتسع مفهوم الثقافة حيث يرى البعض انها مجموع العقائد والقيم والقواعد التي يقبلها ويمتثل لها أفراد المجتمع ذلك أن الثقافة هي قوة وسلطة موجهة لسلوك المجتمع ، تحدد لأفراده تصوراتهم عن أنفسهم والعالم من حولهم وتحدد لهم ما يحبون ويكرهون ويرغبون فيه ويرغبون عنه كنوع الطعام الذي يأكلون ، ونوع الملابس التي يرتدون ، والطريقة التي يتكلمون بها ، والألعاب الرياضية التي يمارسونها والأبطال التاريخيين الذين خلدوا في ضمائرهم ، والرموز التي يتخذونها للإفصاح عن مكنونات أنفسهم ونحو ذلك ، من هذا التعريف يتبين أن الثقافة :
1.    ذات نمو تراكمي على المدى الطويل : بمعنى أن الثقافة ليست علوماً أو معارف جاهزة يمكن للمجتمع أن يحصل عليها ويستوعبها ويتمثلها في زمن قصير ، وإنما تتراكم عبر مراحل طويلة من الزمن .
2.    تنتقل من جيل إلى جيل عبر التنشئة الاجتماعية : فثقافة المجتمع تنتقل إلى أفراده الجدد عبر التنشئة الاجتماعية ، حيث يكتسب الأطفال خلال مراحل نموهم الذوق العام للمجتمع .
3.    ذات طبيعة جماعية : أي أنها ليست صفة خاصة للفرد وإنما للجماعة ، حيث يشترك فيها الفرد مع بقية أفراد مجتمعه وتمثل الرابطة التي تربط جميع أفراده .
وهكذا تميز ثقافة شعب ما نمط حياته عن أنماط الشعوب الأخرى ولكنها لا تعزله ولا تقوده بالضرورة إلى حالة خصام مع الثقافات الأخرى، وقد يوجد في داخل كل ثقافة من يدعو إلى العزلة والانقطاع عن الآخرين أو أسوأ من ذلك إلى التعالي وتفخيم الذات واحتقار الآخرين . وقد يصل هذا إلى مرحلة العداء للآخرين وتشكيل خطر على وجودهم ولذلك كان لا بد للحوار حتى يخفف من حدة هذا العداء ويجعل أصحاب الثقافات يتعايشون ويفهم كل منهم الآخر، أما تعريف المثقف هو الإنسان المنخرط –بطريقة أو بأخرى- في عملية إنتاج الوعي.

الحضارة هي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي و تتألف الحضارة من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، النظم السياسية،التقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون.
ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى ،فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجيا وعلم الاجتماع أما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات، واذا ما اخذنا الحضارة الاسلامية كمثال نجد ان البحث العلمي هو وسيلة التواصل مع الحضارات الاخرى اما الحضارات الغربية كالرومانية اشتهرت بمنحوتاتها.
عالم الآثار د.أسامة النور
تغير مفهوم الإرث الحضاري ليتسع مفاهيم غير ملموسة و لم يقف على بقايا آثار، لذا فمفهوم الإرث في وقتنا الحالي هو مفهوم مفتوح مطلق يعكس مفردات الثقافة الحية الحاضرة كما يعكس تلك التي مضت.
و يمكن للقارئ ان يصل الى رؤية حول وضعنا الحالي في ظل هذا التعريف لنصل الى نتيجة اننا نعيش حالة إنفصال عن الإرث الحضاري في كوش والممالك النوبية وحتى هذه الخيرة مازالت محل بحث حيث يرى الباحثين ان هناك مغالطات تاريخية غير صحيحة يتم الترويج ولا توجد حضارة أسمها الحضارة ( النوبية ) في جنوب مصر أو السودان لأن كل الأبحاث التى قام بها الأثريين لا تعدو كونها من الفرضيات وليس الحتميات وبالدليل الأثري و مازال تفسير تلك الدراسات محل نظر ولم يُحسم فيها كحقيقة تاريخية ،واذا ما اخذنا هذه الفرضية كمثال فهي تكفي لتؤجج حوار بيزانطي و مهاترات لا يصل فيها المحاور الى نتيجة حاسمة ليجد نفسه في حالة اضطراب وجداني وفكري يرفض اي علاقة بإرثنا الحضاري في دارفور و سلطنة الفونج، بل المفجع ان هناك من يحتقر هذا الارث ويتعمد طمسه حتى يتخلص من اي ارتباط يذكره بماضي اجداده.

الآن

مازلنا على نفس الطريق و كأن التاريخ يعيد نفسه كل مرة لنقع في نفس الأخطاء، فالصراع بين الاحزاب مستمر و التعاطي مع قضايا المواطن بسطحية مستمر و انزواء المثقفين الى عالمهم الخاص مستمر و تدمير المؤسسات التنموية مستمر و اللعبة المفضلة لإلهاء الجميع بإسم الدين مستمرة.

في ذمة التاريخ:

اعترف السير جميس روبرتسون، آخر سكرتير إداري للسودان انهم كحكام (… شجعوا على التنافس المحموم بين الطائفتين الدينيتين (الختمية و الانصار) وزعيميهما، وهي سياسة يعترف بآثارها السلبية على السياسة السودانية).
___________________________________________
مصادر:
http://ar.wikipedia.org
المعرفة الاستعماريـة وإرث السـودان السيـاسـي

Comments

Popular posts from this blog

خمس و عشرون يوم تجربتي مع امتحان ايلتس

#شهدي_الحاج .. قصة صوت قائد سوداني لم ينتهي